الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

166

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

إذا كان للآدمي مثل نفر ورهط ، فأما إذا كان لغير الآدميين نحو إبل فمؤنث لا غير . قاله الجوهري وتبعه صاحب « اللسان » و « المصباح » . ووقع في « الكشاف » هذه العبارة « القوم مؤنثة وتصغيرها قويمة » فظاهر عبارته أن هذا اللفظ مؤنث المعنى في الاستعمال لا غير ، وهذا لم يقله غيره وسكت شراحه عليه ولم يعرج الزمخشري عليه في « الأساس » فإن حمل على ظاهر العبارة فهو مخالف لكلام الجوهري وابن سيده . ويحتمل أنه أراد جواز تأنيث ( قوم ) وأنه يجوز أن يصغر على قويمة فيجمع بين كلامه وكلام الجوهري وابن سيده ، وهو احتمال بعيد من ظاهر كلامه الموكّد بقوله : وتصغيره قويمة ، لما هو مقرر من أن التصغير يرد الأسماء إلى أصولها . وأيّا ما كان فهو صريح في أن تأنيثه ليس بتأويله بمعنى الأمة لأن التأويل اعتبار للمتكلم فلا يكون له أثر في إجراء الصيغ مثل التصغير ، فإن الصيغ من آثار الوضع دون الاستعمال ، ألا ترى أنه لا تجعل للمعاني المجازية صيغ خاصة بالمجاز . وجمع الْمُرْسَلِينَ وإنما كذّبوا رسولا واحدا أول الرسل ولم يكن قبله رسول وهم أول المكذّبين ، فإنما جمع لأن تكذيبهم لم يكن لأجل ذاته ولكنه كان لإحالتهم أن يرسل اللّه بشرا ، وأن تكون عبادة أصنامهم ضلالا فكان تكذيبهم إياه مقتضيا تكذيب كل رسول لأن كل رسول يقول مثل ما قاله نوح عليه السلام ، ولذلك تكرر في قوله : كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ [ الشعراء : 123 ] وما بعده . وقد حكي تكذيبهم أن يكون الرسول بشرا في قوله : أَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ في الأعراف [ 63 ] . وسيأتي حكاية تكذيب عاد وثمود وقوم لوط وأصحاب ليكة على هذا النمط فيما تكرر من قوله : كَذَّبَتْ وقوله : الْمُرْسَلِينَ . و إِذْ قالَ ظرف ، أي كذبوه حين قال لهم أَ لا تَتَّقُونَ فقالوا : أَ نُؤْمِنُ لَكَ [ الشعراء : 111 ] . ويظهر أن قوله : أَ لا تَتَّقُونَ صدر بعد أن دعاهم من قبل وكرّر دعوتهم إذ رآهم مصرّين على الكفر ويدل لذلك قولهم في مجاوبته وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ [ الشعراء : 111 ] . وخص بالذكر في هذه السورة هذا الموقف من مواقفه لأنه أنسب بغرض السورة في تسلية الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بذكر مماثل حاله مع قومه . والأخ مستعمل في معنى القريب من القبيلة . وقد تقدم في قوله تعالى : وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً في سورة الأعراف [ 65 ] . وقوله : أَ لا تَتَّقُونَ يجوز أن يكون لفظ أَ لا مركبا من حرفين همزة استفهام دخلت على ( لا ) النافية ، فهو استفهام عن انتفاء تقواهم مستعمل في الإنكار وهو يقتضي